lundi, février 13, 2006

الصحفيون وحركة حقوق الإنسان

شاءت الأقدار أن تتواكب ثورة المعلومات والإعلام مع الثورة الصامتة للمنظمات غير الحكومية. ففي مدى أربعة عشر عاما، تفصل بين 1990 ويومنا، دخلت السبرانية حياة أكثر من مليار من البشر وربطت الفضائيات أكثر من نصف سكان الأرض بقنوات فوق الحدود والرقابة التقليدية وازداد عدد المنظمات التي تتمتع بالصفة الاستشارية في الأمم المتحدة ECOSOC أربعة أضعاف (من 800 إلى 2400 منظمة) وأصبحت كلمة الفضاء غير الحكومي الكابوس الأهم والأخطر لكل الدكتاتوريات المالية والسياسية. كيف يمكن استقراء العلاقة بين مكونات هذا الفضاء، وبشكل خاص، ما يعرف بالسلطة الرابعة والسلطة المضادة. هل ستوظف الثورات العلمية في خدمة السائد أم ستعيش صراعا بين القوة والقيم، بين إقامة العدل وتحقيق المصالح المباشرة؟ هل يمكن الاعتماد على الأشكال الجديدة للضغط والتأثير لتجديد المفهوم التقليدي لتوزيع السلطات (الثلاث!) بحيث تنال المشاركة حظا أوفر وتتسع جبهة المقاومة لاحتكار السلطة والثروة على الصعيد العالمي؟ لقد سجلت بداية الألفية الثالثة مواجهة مفتوحة مع الإنجازات الكبرى التي حققتها البشرية في النصف الثاني من القرن العشرين. بدأت الحملة مع الفرملة المنهجية للقوة العظمى الأولى لكل ميثاق أو اتفاقية جديدة لحماية الإنسان والبيئة منذ سقوط جدار برلين، ثم مواجهتها المفتوحة مع المحكمة الجنائية الدولية الوليدة، وإن علقت الرسالة الإخبارية للجمعية الأمريكية للقانون (ASIL) على هذا التوجه في مارس/آذار 1999 بالقول: "القانون الدولي اليوم أقل احتراما في مجتمعنا من أي وقت مضى". فما هو التعليق المناسب منذ إعلان الإدارة الأمريكية عولمة حالة الطوارئ في نوفمبر 2001؟ لقد شكلت أحداث 11 سبتمبر 2001 مسرّعا فوضويا لهذا التوجه، حاولت معه الإدارة الأمريكية المحافظة مصادرة أهم المكتسبات التي أصبحت تحول موضوعيا دون إعادة هيكلة الخارطة السياسية الدولية ضمن مبدأ الهيمنة وفقا لمعطيات نظام القطب الواحد. "الحرب على الإرهاب" أصبحت المحرك، بل المبرر لمنهجة انتهاك حقوق الإنسان على الصعيد العالمي وبشكل خاص في كل مناطق البطن الرخو التي تعتبرها الإدارة الحالية الأرض الخصبة لأطروحة الفوضى البناءة. التعذيب يعود بقوة بعد انحسار، السجون الخارجة عن القانون تصبح من عاديات الأمور والسجون السرية تدخل القاموس الأوربي الأمريكي من جديد، التحقيقات في غوانتانامو تتجاوز كل سجون الدكتاتوريات، أكثر من 28 ألف عملية استجواب لأقل من ألف شخص في قرابة أربعين أسبوعا. المعاملة القاسية والمهينة تتسبب في أكثر من 35 محاولة انتحار، ولتغطية كل هذه الجرائم، تشكيل فرق عمليات خاصة للمعلومات مهمتها التضليل الإعلامي وإعادة إنتاج مدرسة غوبلز في التأثير بالرأي العام.. لكن أليس للفقه حكمته عندما يقول "لا يوجد شر مطلق"؟ ألم تتسبب هذه الانتهاكات الجسيمة للحقوق والحريات في توسع الحركة المدنية العالمية للدفاع عنها. وإن كان من السهل، إلى حد ما، ضبط قيادة أركان السلطة التنفيذية على الصعيد العالمي، تحجيم التحرك الدولي المشترك لسلطات تشريعية غير منسجمة في التركيب والوظيفة والبرنامج، والخوض في معركة مفتوحة مع التعبيرات البنيوية للقانون الدولي عبر اتفاقيات ثنائية تحدد من سلطاتها، فإن مراكز ثقل المقاومة، وبعكس ما يظهر للعيان، ليست في أشكال العنف المختلفة هنا وهناك،بل في تعبيرات السلطة المضادة من الفضاءات غير الحكومية على الصعيد العالمي والسلطة الرابعة. وبقدر ما يكون هناك من تناغم جدلي بين السلطة الرابعة والسلطة المضادة، يمكن الحديث عن إعادة بناء عملية الوعي وأنسنتها على الصعيد العالمي في وجه ثلاثية الخوف والأمن والانصياع الطوعي التي ينتجها العنف والعنف المضاد. يمكن للإدارة الأمريكية عولمة حالة الطوارئ، ولكن يصعب شراء ذمم كل من جعل همّه إقامة جسر مباشر بين الوضع البشري والوعي البشري، بين الحدث والناس. لا يمكن الطلب إلى الصحافي التفرغ لانتهاكات حقوق الإنسان، كما أن مهمته لا تنحصر في رصد أوضاع الحريات. لكن هناك تقاطعات أساسية بين الصحفي والحقوقي تبلورت مع الأيام وصارت جزءا من وعي الصحافي لدوره الإنساني ووعي الحقوقي لواجبه في بناء جسور حقيقية بين المجتمعات المدنية والسلطة الرابعة:أول هذه التقاطعات،الحياد الإيجابي أو الملتزم، ثانيها،القدرة على التحليل في الحدث أو ما أسماه ميشيل سورا (السوسيولوجيا الساخنة) الثالث،القدرة على رفض مبدأ الممنوعات باعتباره يمس مباشرة الحق في المعرفة وفي استعمالها الرابع،المصداقية عندهما ابنة الصدق مع الذات والآخر والإحساس العميق بالتطوع، وأخيرا وليس آخرا، كلاهما شاهد على العصر ومؤرخ فوق العادة للمشكلات اليومية للناس. بقدر ما تكون صورة المدافع عن حقوق الإنسان أو الصحافي منسجمة مع هذه المقومات المشتركة، بقدر ما يكون هناك انسجام مع الاختيار الذي حدده كل منهما لنفسه، باعتباره طرف فاعل ومؤثر في الرأي العام بدرجة أو بأخرى. ولا يعني هذا التصور الجميل بحال، أن عالم الصحافة وحقوق الإنسان خالٍ من حوانيت البيع والشراء والمتاجرة العلنية وغير العلنية، المباشرة وغير المباشرة،إلا أن مجرد تحوّل الإنسان أو الصحيفة أو المنظمة لعنصر تأثير،

يجعل منه بالضرورة موضوعا للتوظيف أو الاحتواء. لكن الإنسان الصحافي، بالمعنى النبيل للكلمة، شريك أساسي في عملية بناء الوعي لا تدنيسه، وبالتالي نرى فيه الكائن القادر على الجمع بين الجدية والبساطة، العلاقة الطبيعية بالناس في غياب الفرقعة المشهدية، الفعل المتميز غير المفتعل أو المسطح، خوض المغامرة المعرفية دون حدود والتواصل المباشر مع الناس دون وسائط أو قيود. الجمع بين مرتكزات الثقافة والقدرة المستمرة على الفعل الإبداعي، القلق الدائم للجمع بين الموضوعية والشفافية والأمانة من جهة وروح المتابعة والبحث والاكتشاف المتجدد من جهة ثانية. الإصرار على قواعد مهنية صارمة وروح تضيف للمرونة مسئولية شرف المهنة.. وهل من حليف للمناضل من أجل حقوق الإنسان والعمل الإنساني أكثر فاعلية وتكاملا من هذا الكائن الضروري للعمل والإبداع الحقوقيين؟

لا يمكن التواصل مع المجتمع باختزال قراءة الوجود البشري في المواثيق والإعلانات الحريصة على الكرامة الإنسانية،


كذلك، لا تشكل هذه المواثيق موضوع إجماع شعبي عالمي. فما زال النقاش قائما، بعد ربع قرن من الزمن مثلا، حول "اتفاقية القضاء على أشكال التمييز ضد المرأة" وانسجامها مع القيم والمعتقدات المحلية هنا أو هناك. وبالتالي ثمة رسالة مشتركة للصحافي والحقوقي تقوم على التعاون من أجل خلق ديناميات مشتركة للفعل الذهني عند الأشخاص والجماعات دون خوف ودون أحكام مسبقة. إن القدرة اليومية على تفعيل الحوار المجتمعي في قضايا تهم المصير الإنساني برمته، هو الرسالة التي يتقاسمها الصحافي والحقوقي ترجمة وصياغة وقدرة على التواصل بين مالكي أداة الفعل الإعلامي والقادرين على صنع الحدث الإعلامي.أثناء تغطية أحداث زلزال باكستان وكشمير، نجح أكثر من صحفي في فتح ملف الحرب على الإرهاب ونتائجها الكارثية على العمل الإنساني والخيري في البلدان الإسلامية. كنا في "المكتب الدولي للجمعيات الإنسانية والخيرية" نناضل من أجل توجيه الأنظار لهذه المعضلة قبل وقوعها، وقد استعرضت "الجزيرة" في أكثر من برنامج الوجود المهدد للجمعيات الإنسانية في العالم الإسلامي. ليأتي التكامل بين الصحافي والعامل في الحقل الإنساني بأجمل صوره في حالة عيانية. حيث ظهرت للعيان النتائج الكارثية لما يعرف بالحرب على الإرهاب على جانب أساسي من جوانب بناء المجتمعات المدنية في العالم الإسلامي ومحور هام من محاور الاكتشاف اليومي للحقوق بالتعرف على المعاني العميقة لحق التضامن.لكن، ومقابل هذه الصورة البناءة، ثمة صورة رمادية وأخرى أكثر سوادا يعكسها إعلام آخر بعيد عن شرف المهنة وقيمها. فكما أن للسلطة التنفيذية جنوحاتها وأمراضها، السلطة الرابعة أيضا لها عللها ومشاكلها وتجاوزاتها. وعندما تكون موضوع توظيف، يمكن القول أن قاعدة "الغاية تبرر الوسيلة" تجعل منها واسطة رديئة في خدمة منظومات البؤس. وفي هذه الحالة، يشبه صحافي الخدمات قاضي التعليمات الذي يتخلى عن سلطته ليوظفها في خدمة سلطة أخرى مالية كانت أو سياسية. وليس بالإمكان دائما توضيح التخوم بوضوح بين الصحافة الناقدة والصحافة الانتقائية النقد، الصحافة المقاومة للاستبداد والصحافة التي تكتشف الخصائص المميزة والخلاقة لهذا المستبد أو ذاك. في المنعطفات الكبيرة في تاريخ الشعوب، يطوف على السطح الطابع النسبي لمفهوم القانون، فالانحرافات الخطيرة التي تعيشها البشرية في مرحلة تسمح لقطاعات واسعة منها بوعي هذه الانحرافات وبربريتها، تخلق حالة انعدام ثقة بفكرة طاعة القانون. لغياب الثقة بالظروف المستوجبة والحالات الداعية إلى..، بل وكل من شارك في الديباجة والتحرير والتصويت والتطبيل والتطبيق. في هذا الوضع الذي يمكن أن يكون تحت حالة حرب أو حالة حصار، يقف الصحفي والحقوقي على مسافة واحدة: كلاهما في الميدان، كلاهما بصلة مباشرة مع الوعي المباشر لمعنى القانون، كلاهما يلاحق آخر الخيط بين البناء المدني والعصيان المدني، وكلاهما يطرح السؤال على نفسه: متى يبرر بالقانون الخروج على القانون؟ فالصحفي الذي ينقل انتهاكا لحقوق الإنسان في ظل حالة طوارئ، ينشر صورا للتعذيب من مناطق ممنوعة، يكشف وجود سجون سرية، هذا الصحفي يتقمص دور الحقوقي باعتباره العنصر الأفضل للقيام بهذا الدور. لقد صدر عن عدة منظمات عربية ودولية تقارير عن التعذيب في العراق، إلا أننا كنا بحاجة لمجلة "النيويوركر" لتحّول الموضوع من مجرد تقارير محدودة الأثر والفعل إلى قضية أمريكية وعالمية. نفس هذه الصحيفة كانت قد أوفدت قبل أربعة عقود ونيف حنا أرندت لتغطية محاكمة آيخمان، وقد أعطى اختيارها (آيخمان في القدس)، الكتاب الإشكالية بين إحدى أهم نساء القرن العشرين والحركة الصهيونية. الأم الروحية لتشريح النظام التوتاليتاري ومنظمات حقوق الإنسان كلاهما كانا بحاجة للسلطة الرابعة في اللحظات الصعبة. ألم يشعر الرئيس الأمريكي بوش الابن بنفس الحاجة ولكن للتدمير لا للبناء، عندما كانت قواته تكرر مجزرة حماة في الفلوجة ولم يكن بحاجة لقناة "الجزيرة" لتلعب معه من جديد دور الشاهد على حروبه؟ مفكر وحقوقي عربي، درس الطب والانثروبولوجيا، له أكثر من 30 مؤلفا بالعربية والفرنسية والإنجليزية منها موسوعة "الإمعان في حقوق الإنسان" و"مستقبل حقوق الإنسان" و"أبحاث نقدية في حقوق الإنسان". محاضرة لندوة "دور الصحافيين في نشر القيم الإنسانية" التي ينظمها الهلال الأحمر القطري في الدوحة في اليوم العالمي لحقوق الإنسان



بوش وخطة قصف قناة الجزيرة الوجه الآخر" لديموقراطية" الحرب على الإرهاب

كشفت صحيفة الديلي ميرور اليومية البريطانية الشهيرة يوم 22-11-2005 النقاب عن وثيقة سرية كان قد بعث بها جورج دبليو بوش ، إلى تابعه الأوفى توني بلير ، تتضمن خطة خطيرة ، وسابقة من نوعها، تتجاوز جرائم قتل الصحفيين العمد ، كما حدث لمراسل الجزيرة الصحفي طارق أيوب ، أو شيهم في الهواء الطلق بغوانتانامو كما هو حال مصور الجزيرة توفيق الحاج ، إلى التفكير في محو منبر إعلامي بكامله من على وجه البسيطة ، و اغتيال من فيه من الإعلاميين . وغير الاعلاميين ، لكن ماهي الخلاصات العملية التي يسمح بها الكشف عن هذه الحقيقة المرعبة بحق .
1- صحيح أن الكشف عن هذه الحقيقة ، شكل صدمة كبيرة لكل ممتهن للصحافة ، في العالم أجمع . و بالنسبة لي، لم يحمل الخبر أي ملامح لعنصر المفاجئة ، عندما قرأته في سياقه العام والظروف الخطرة التي سحبها تضليل الحرب على الإرهاب على حرية الإعلام والصحافة بالعالم أجمع ، ففي تقرير لمنظمة الصحافة العالمية ، نشر مؤخرا تحت عنوان : "2005 عام حالك بالنسبة لحرية الصحافة" ، ورد أن 22 صحفيا اغتيل منذ يونيو إلى الآن ، ليكون مجموع الصحفيين الضحايا لهذه السنة 51 قتيلا ، مقابل 72 قتيلا في سنة 2004 . وحسب تقديرات الجمعية دائما ، تم توقيف أكثر من 500 صحفيا عبر العالم ، كما تعرض المئات منهم للإساءة والإهانة ، وصنوف المضايقات . و جل هذه الأحداث و الحصيلة المأساة بالنسبة لحرية الصحافة ، ارتبطت بالحروب التي شنت على ما يسمى بالإرهاب ، فطبيعي جدا أن يتم التفكير في إسكات قناة الجزيرة العربية إلى الأبد ، والتي عبرت عن مهنية عالية ، وعشق غير مزيف للحقيقة ، خاصة بعد فضحها لما جرى بالفلوجة ، وكافة محافظات العراق من جرائم ضد الإنسانية ، وما سببته من إحراج للقوات الأمريكية ، التي تبين لها ، وتحاول أن تخفي عن العالم أن احتلال العراق ليس أبدا مهمة خاطفة ، بل مستنقع حقيقي ، تجرى مقارنته داخل الأوساط المدرسية بما حدث للولايات المتحدة بفيتنام . هذا فضلا عن تذكر، أن أحداث العراق ، وتغطية فضائح الحرب على الإرهاب ، يجلب المخاطر لأي صحفي ، أو قناة صحفية ، وما التفكير في ضرب المقر الرئيس للجزيرة ، إلا خطوة يائسة بعد استمرار نشاط الجزيرة رغم فقدانها لمراسلها الشهيد طارق أيوب ومصورها رشيد الوالي و سجن مصورها توفيق الحاج بغوانتنامو ، و سجن مراسلها تيسير علوني باسبانيا . وهو ما يطرح الإشكالات العميقة : هل تسمح الديموقراطية ببروز الحقيقة ؟ هل يمكن أن نحارب الإرهاب ، بعقلية إرهابية اقصائية أيضا ، لا تسمح إلا بالصوت المفرد ؟ و ما هو الفرق بين التفكير في قصف مقر الجزيرة وتفجيرات لندن ، أو مدريد ، أو المغرب ؟. 2- من جهة أخرى يبرز التفكير في قصف قناة الجزيرة الإخبارية، إحدى رموز الإعلام الحر بالنسبة للرأي العام العربي والعالمي على السواء ، و المنبر المزعج بالنسبة لقادة الحرب على الإرهاب ، في سياق افرازات الذهنية الأمريكية الجديدة المستهترة بالقانون الدولي والمحتقرة للجماعة الدولية كمفهوم افتراضي على الأقل ، فبعد دوسها على القانون الدولي الإنساني بغوانتنامو ، وضرب العراقيين العزل وشيهم على الهواء مباشرة بالقنابل المحظورة دوليا ، تؤشر مثل الوثيقة - المخطط التي كشفت عنها الديلي ميرور مؤخرا ، عن احتقار نوعي وعنيف لحرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة ، كما أعلنتها المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية . وهو يأتي أيضا في سياق رفض الولايات المتحدة الأمريكية التفاوض مع المجموعات الدولية ، وفعاليات المجتمع المدني ، التي حضرت مؤخرا فعاليات قمة تونس للمعلوماتية ، حول إدارة تشاركية لشبكة الانترنت ، في تمسك غير أخلاقي ، ومشبوه يهدف إلى احتكار مصادر المعلومات ، وهو انتهاك أخر لحرية الوصول إلى المعلومة وتداولها ، كما تقرها الشرائع الدولية .، هذا فضلا عن احتقار الحيق في الحياة ، الذي تقره كافة الشرائع الدينية ، والوضعية . 3- التطور الوحيد ، المتصاعد والملفت للانتباه ، هو التشوه الحاصل لواقع استقلال القضاء بالديموقراطيات الغربية ، وعلاقته بباقي السلط الناظمة للحراك السياسي بأي دولة كانت . بالأمس بأسبانيا يقحم القضاء الأسباني في محاكمة يساسية مفبركة للصحفي تيسير علوني ، واليوم يقوم المدعي العام البريطاني بتدخل سافر في مهنة الصحافة ليصدر قرارا فريدا لم يكن يحدث عادة إلى في الدول العربية والنامية ، حيث تتدخل الدولة حتى في الإخراج الإعلامي الفني ، يقضي بمنع نشر المزيد من المعلومات حول الوثيقة المذكورة . وهو ما يطرح تساؤلات عدة حول تأثيرات قوانين الحرب المزعومة على الإرهاب على القضاء الغربي ونزاهة مهنته ؟ وهل يتحول هذا القضاء يوما ما ليماثل قضاء الدول النامية ، وخاصة العربية ؟ . العنصر الوحيد الواضح في خضم هذه التطورات السالبة التي تطال مهنة الصحافة عبر العالم ، وبشكل خاص قناة الجزيرة العربية ، هو أن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت متضايقة جدا ، من التفوق الإعلامي الكبير للفاعل الإرهابي ، على مستوى الخطاب ، والممارسة ، على وقع إفلاس خطاب الحرب على الإرهاب المبتذل ، وما استهداف الجزيرة إلى بسبب مهنيتها ، وكونها أكثر انتقاءا بالنسبة للقاعدة لنشر تسجيلاتها ، ومن جهة أخرى ، جرأتها في تغطية ما حدث في أفغانستان ، وما يستمر في العراق من تجاوزات. و عنصر الغرابة الوحيد ، يتعلق بطبيعة و مستقبل مسلسل استهتار الإدارة الأمريكية بسيادة الدول العربية ، إذا نظرنا إلى كون الجزيرة مبعث فخر بان تتواجد على ارض قطر وتشتغل في ظل السيادة القطرية ، كقناة حرة عرفت بقطر وفتحتها على العالم ، ومن قطر تبنت هموم العرب ومشاكلكم بحيادية ملفتة ، وهو ما يطرح التساؤل الأكثر عمقا : ما جدوى أن تتحالف الدول العربية مع الإدارة الأمريكية
، ما دامت سيادتها لا تساوي ثمن قنبلة رخيصة أمام ضرورات المصالح الأمريكية ، وماذا لو كانت الجزيرة لا سمح الله ، ضربت من القاعدة الأمريكية بقطر نفسها ؟
P_programming@yahoo.com
أحمد سالم أعمر حداد كاتب وباحث في العلاقات الدولية من المغرب