mardi, janvier 31, 2006

السلطة والصحافة المستقلة

المغرب: نداء المواطنة والتأزم في العلاقة بين السلطة والصحافة المستقلة


عبد الرزاق بنان فلاليقبل شهر ونيف، وبالضبط بتاريخ 12 يونيو/حزيران الماضي، طالعتنا الصحف المغربية علي صدر صفحاتها الأولي بوثيقة تحمل عنوان نداء المواطنة ، قيل إنها موجهة بدافع الغيرة والدفاع عن ثوابت التجربة الديمقراطية المغربية إلي عموم المغاربة، ومذيلة بتوقيعات بعض فعاليات المجتمع المدني، ليعقبها بعد أيام قلائل إحداث موقع خاص لها علي شبكة الانترنت بأربع لغات لجمع المزيد من التوقيعات المؤيدة له. نداء المواطنة هذا جاء لتحذير الرأي العام المغربي مما اسماه مهندسوه الحملة الممنهجة التي تهدف إلي زرع البلبلة والتشكيك في المكتسبات المحققة وطنياً، والتأكيد علي أن تبخيس المكتسبات وتضخيم الأحداث العادية هدفه تصوير البلاد وكأنها علي حافة هاوية .قبل أن نغوص في عمق الأفكار التي حملها هذا البيان وروج لها، لابد لنا أن نضعه في سياقه العام حتي نقف علي أسبابه ودوافعه ونستجلي أهدافه ومقاصده. لا أحد يجادل في حقيقة أن المغرب يجتاز ظرفية جد حرجة سياسياً واقتصادياً وحقوقياً واجتماعياً بل وحتي إعلامياً، ذلك أن الظروف الاقتصادية تزداد تدهوراً خاصة مع تواتر الأنباء والتقارير عن ظهور بوادر أزمة اقتصادية خانقة تتهدد النسيج الاقتصادي المغربي، وتتبلور بعض ملامحها في تفاقم الفقر وارتفاع نسبة البطالة بشكل مقلق وتنامي حركة الاحتجاج الشعبي واتساعها لتشمل العديد من القطاعات الحساسة. ينضاف إلي كل ذلك تداعيات ملف الصحراء داخلياً وخارجياً، خاصة بعد الأحداث الأخيرة التي كانت بعض مدن الصحراء مسرحا لها وحالة الشد والجذب السياسي والدبلوماسي مع الجارة الشرقية الجزائر

وحتي نتحري الموضوعية والشمولية في قراءتنا هذه، لابد لنا أن نتوقف قليلاً عند متغيرات المشهد الصحافي المغربي، وبالتحديد التطورات والأحداث المتعاقبة التي أثارت أكثر من علامة استفهام بخصوص مستقبل حرية الرأي والتعبير في المغرب. لا يحتاج المتابع للمشهد الإعلامي المغربي إلي الكثير من الجهد ليكتشف مدي التغيير الذي أحدثته الصحافة المستقلة، والتي استطاعت بفضل جرأتها وتجردها ومهنيتها وتحررها من التابوهات والعقليات المحافظة التي سيطرت في السابق أن تكسب ثقة القارئ المغربي بكل فئاته، بغض النظر عن ميوله السياسية والإيديولوجية وانتماءاته الاجتماعية والثقافية، والأهم من كل ذلك أن تحظي باحترامه في الوقت الذي سقطت فيه ورقة التوت عن صحافتي الأحزاب والمخزن (النظام المغربي) اللتان تدفعان ضريبة بقائهما رهينتي القوالب التقليدية الجامدة وعدم قدرتهما علي التكيف مع المتغيرات السوسيوسياسية في المغرب

رفض الصحافة المستقلة الانغماس في إعلام السلطة علي حساب إعلام المجتمع ورغبتها في تقريب المواطن العادي من الحدث وتمكينه من المعلومات والوقائع الموضوعية التي تساعده علي فهم ما يجري واستيعاب أبعاده وتداعياته تفسر شعبيتها ونجاحها في استقطاب القارئ المغربي وإبقائه وفياً لها. فهي لا تتواني عن التطرق إلي القضايا المصيرية والحساسة التي تواجه مغرب اليوم بمهنية تعتمد مبدأ التعددية والانفتاح علي كل التيارات، بما فيها تلك المدرجة في خانة المغضوب عليهم مخزنياً

هكذا إذن لم يعد مستغرباً أن تطالع علي صفحات بعض الأسبوعيات المغربية تفاصيل عن الحياة الشخصية للملك الراحل الحسن الثاني أو الملك الحالي محمد السادس أو الحياة الخاصة لزوجة الملك الحالي أو تفاصيل الميزانية المخصصة للقصر الملكي أو تحقيقات تغوص في كيفية عمل جهاز المَخزِن وآلياته ورجاله وتنبش في أسرار المؤسسة العسكرية أو تحفر في ماضي بعض الشخصيات التاريخية، كما لم يعد من المستهجن أن تصادف عناوين من قبيل: هل يجب العفو عن الحسن الثاني؟

أمر آخر يجب ألا نغفله في قراءتنا هذه لأنه يوضح أسباب اختيار هذا التوقيت بالضبط لإصدار النداء، يتعلق الأمر بتأزم علاقة السلطة بالصحافة المستقلة، التي ترفض البقاء تحت الوصاية الأبوية للجهاز المخزني وتفضح أساليبه القمعية. أزمة تترجمها عودة السلطات المَخزَنِية خلال السنوات الأخيرة إلي التضييق علي حريتي التعبير والصحافة، من خلال الرفع من وتيرة ملاحقة الصحافيين أو مضايقتهم بشكل واضح وغير مسبوق، إلي جانب مصادرة العديد من المطبوعات (الصحيفة والأسبوعية الجديدة والجريدة الأخري والمشعل و...)

لن نسرد هنا قائمة الصحافيين الذين تعرضوا للملاحقة أو المضايقات من جانب السلطات، لكننا سنقف عند ثلاث قضايا محورية فتحت نقاشاً وجدالاً علي جميع الأصعدة، لتجسيدها الإشكال الذي بات مطروحاً بقوة داخل المغرب وهو: هل يمكن الحديث عن وجود حرية للرأي والتعبير دون ممارستها علي أرض الواقع؟ وما هي حدود حرية التعبير في المغرب؟ وكيف يمكن للدولة أن تدير هامش الحرية الذي لم تعد المتحكمة فيه كما في السابق؟ وكيف يمكن للصحافيين أن يوازنوا بين حقهم في حرية التعبير والرأي وعدم المساس بـ ثوابت الأمة أو ما يسمي المقدسات الوطنية ؟ ومَنِ الأَولَي بإضفاء صفة القدسية عليه حرية الرأي والتعبير أم الأشخاص والمؤسسات؟ هذه القضايا هي

ـ قضية الصحافي المغربي علي لمرابط: الذي سبق له أن توبع في قضايا مختلفة متعلقة بحرية الرأي والتعبير، منها نشره خبراً عن بيع أحد القصور الملكية بمدينة الصخيرات، أو نشره لرسم كاريكاتيري يتعرض فيه بالسخرية لميزانية القصر أو إعادة تركيبه لإحدي صور الملك، وهو ما أدخله في مواجهة مع السلطات المخزنية انتهت بإدانته بالحبس أربع سنوات إلي أن صدر عفو ملكي في حقه. قصة علي لمرابط لم تتوقف عند هذا الحد، إذ عرفت فصولاً أخري أهمها منعه من إصدار صحيفة جديدة وحرمانه من مزاولة مهنة الصحافة في المغرب لمدة عشر سنوات بسبب تصريحات أدلي بها لأسبوعية المستقل في يناير الماضي، أكد فيها أن ''مُختَطَفِي تندوف ليسوا بمُختَطَفِين وإنما ذلك كذب وافتراء'. وهنا يطرح سؤال عريض: أو ليس ما صرح به لمرابط باباً من أبواب حرية الرأي والتعبير بغض النظر عن موافقتنا أو معارضتنا لفحواه؟

ـ قضية نادية ياسين وعبد العزيز كوكاس: ما جري لعلي لمرابط تكرر تقريباً مع نادية ياسين، كريمة مؤسس جماعة العدل والإحسان شبه المحظورة والناطقة غير الرسمية باسم الجماعة، والتي صرحت في حوار لها مع جريدة الأسبوعية الجديدة بتاريخ 2 يونيو/حزيران، أنها شخصياً تفضل النظام الجمهوري علي النظام الأوتوقراطي في إشارة إلي النظام الملكي، مشككة في شرعية النظام القائم الذي لا يصلح من وجهة نظرها للمغرب ومتنبئة بقرب نهايته. تصريحات وضعتها في مواجهة مع القضاء المغربي برفقة عبد العزيز كوكاس مدير الصحيفة التي نشرت هذه التصريحات. وهنا نكرر السؤال نفسه ألا تدخل تصريحات نادية ياسين في إطار حرية الرأي والتعبير بغض النظر عن موافقتنا أو معارضتنا لفحواها؟

ولماذا متابعة مدير الصحيفة التي نشرت التصريح؟ أليس هذا انتهاكاً لحرية الصحافة والنشر؟ـ قضية أحداث الصحراء الأخيرة وتنديد العديد من الجهات الحقوقية والإعلامية المغربية بطريقة معالجة السلطات لهذه الأحداث، وكذا بالأحكام القاسية والمُسَيّّسَة التي صدرت في حق بعض الصحراويين المتَابَعِينَ في هذه القضية، وما تبع ذلك من تهجم وانتقادات في بعض الصحف شبه الحكومية لهذه الجهات واتهامها بانعدام الوازع الوطني لديها

قبل أن نشرع في قراءة أفكار هذا النداء وحتي لا يؤخذ كلامنا علي عواهنه، نود أن نوضح منذ البدء أننا لا نروم من وراء هذه السطور تسفيه واضعي هذا النداء أو مصادرة حقهم في التعبير عما يخالجهم من أفكار، لكننا وانطلاقاً من مبدأ تعدد الآراء نود أن نوضح أننا لا نتفق مع أفكار هذا النداء لأنه لم يكن بريئاً لا في توقيته ولا في أفكاره ومقاصده

يقدم واضعو نداء المواطنة هذا أنفسهم علي أنهم مواطنات ومواطنون من مشارب مختلفة ، ومن حساسيات سياسية مختلفة ومن أوساط مهنية متعددة ، وبيانهم هذا موجه إلي الرأي العام المغربي بدافع الغيرة والدفاع عن ثوابت التجربة الديمقراطية المغربية ، بيد أننا وللآسف نشتم في ثناياه رائحة تذكّرنا بخطاب المخزن ولهجته، فهو ينظر إلي المواطن المغربي علي أنه غير محصن بعد ضد حرية التعبير لعدم نضجه السياسي والثقافي، والأدهي من كل ذلك أنه يصور لنا أن المغرب أضحي في خطر بسبب اتساع هامش الحرية فيه، خاصة حرية التعبير، وأن البلاد باتت وكأنها تعيش حالة استثنائية شاذة تشرف فيها الدولة علي الانهيار واستقرار البلاد وثوابتها مهددة والقوانين بحاجة إلي من يصونها

وحتي تكتمل أجزاء الصورة وتتضح بشكل لا لُبسَ فيه، لابد لنا أن نعرج علي ما تداولته بعض الصحف المغربية، نقلاً عن مصادر مطلعة، من أن صلاح الوديع، عضو هيئة الإنصاف والمصالحة وعضو الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، وإدريس بنزكري، رئيس هيئة الإنصاف والمصالحة، لعبا دوراً محورياً في صياغة النداء، بإيعاز من فؤاد عالي الهمة الوزير المنتدب في الداخلية، بل أكثر من ذلك نُقل عن الكثير من المراقبين أن صلاح الوديع هو الذي كان يتصل بعدد من الأشخاص لإقناعهم بالتوقيع علي هذا النداء، دون أن يوقعه هو أو ادريس بنزكري حتي لا يبدو وكأنه موحي به من جهات رسمية، خاصة وأنهما باتا يحسبان علي الجهاز المَخزَنِي. لهذا تمَّ إقناع أحمد حرزني بتبني الفكرة والدفاع عنها لإضفاء مصداقية عليها. وهو أمر يثير عدداً من علامات الاستفهام، نجملها في ما يلي: لماذا بات بعض مناضلي الأمس وحقوقيوه يهرولون إلي المخزن ويقبلون بما يسند إليهم من مهام تثير أكثر من تساؤل؟ هل المؤسسات والجمعيات التي تدعي تمثيليتها للمجتمع المدني ومصالحه هي كذلك بالفعل أم أنها مجرد ستارة للتمويه؟ وهنا نتذكر ما جاء علي لسان المفكر المغربي والباحث في المستقبليات الدكتور المهدي المنجرة في حوار له مع إحدي الصحف المستقلة بخصوص التغيير في المغرب، حين لاحظ أن أول شيء تغير هو كلمة التغيير، لأن المعارضة التي كانت تستخدم هذه الكلمة أصبحت جزءاً من المخزن... ولم يعد للشعب والشباب أي ثقة في أي طرف .يحذر نداء المواطنة الرأي العام المغربي من أصوات نشاز تراهن علي الضجيج والمبالغة والكذب والمزايدة كسبل للارتقاء الاجتماعي، والتجرؤ علي التلاعب بالوحدة الترابية وبالسِلم الاجتماعي والاستقرار السياسي للبلاد، و مغازلة قوي أجنبية ، بل ويصف هؤلاء بـ الضالين ، وهو مصطلح مستوحي من الخطاب الديني واستعماله في هذا السياق لم يكن بريئاً أو مصادفة، لكن من هي هذه الفئة؟ ولماذا التخوف منها بالضبط؟ وهل المواطن المغربي قاصر لدرجة تجعله عاجزاً عن تقييم خطاب هذه الفئة واكتشاف الصالح فيه من الطالح؟ أم لعل أصحاب النداء يرون في المواطن المغربي سذاجة قد تدفعه إلي تصديق كل الخطابات والانجرار وراءها؟

النداء لم يسم بالتحديد هذه الفئة التي وصفها بأنها تعمل جاهدة لتبخيس المكتسبات ، وهو ما يبقي الباب مفتوحاً علي مصراعيه علي جميع الاحتمالات، وإن كنا لا نحتاج إلي الكثير من التدقيق والتمحيص لمعرفة أن المقصود بالنداء هي الفئة التي لا تتماشي مع الفكر السياسي المَخزَنِي الحالي، وبالتحديد الصحافة المستقلة التي تتقاطر عليها يومياً الاتهامات بأنها تصر علي النظر إلي النصف الفارغ من الكأس وتعمل جاهدة لاصطياد الأخطاء التي تقع فيها الدولة و تضخيمها ، بل والافتراء عليها في كثير من الأحيان بحسب زعم بعض الجهات. إذا كان النداء لم يسم هذه الفئة بصفة صريحة، فإن أحمد حرزني ـ أول الموقعين علي هذا النداء ـ أوضح خلال الحوارات التي أجرتها معه بعض الصحف المغربية أن موضوع النداء كان أساساً هو دعوة جزء من الإعلام الوطني إلي احترام القانون وإلي احترام أخلاقيات المهنة في إشارة إلي الصحافة المستقلة، وكأن هذا الجزء من الإعلام مارق لا يقيم للقوانين ولا لأخلاقيات المهنة وزناً أو ربما لأن قوانيننا، خاصة قانون الصحافة، غير رادعة بالشكل الذي يريده أحمد حرزني وجماعته، مضيفاً أن الصحافة مهنة مثل جميع المهن وبالتالي يجب أن يكون منتوجها موافقاً لمواصفات معينة دون أن يحدد ماهية هذه المواصفات أو طبيعتها

يُلاحظ كذلك في هذا النداء كثرة استعماله لمصطلحات ومفاهيم فضفاضة تتسم بالغموض والعمومية، فعلي سبيل المثال لا الحصر استعمل مصطلحي المكاسب و المكتسبات أكثر من مرة دون أن يوضح ولو في إشارة مختصرة ما هي هذه المكتسبات، وهو ما ينسحب علي المصطلحات والتعابير التالية: جهوية حقيقية دون تحديد أي مفهوم لها، خاصة أنها ما تزال من المصطلحات التي تثير الكثير من الجدل السياسي والقانوني في المغرب، و التجاوزات و الاستفزازات التي تستهدف الدولة دون أن يوضحها، وتخطي القواعد الأولية للوطنية وتجاوز أبسط الأخلاقيات وقواعد اللياقة في إشارة إلي الصحافة المستقلة.أما عن أفكار هذا النداء فهي تحتاج إلي أكثر من مقال للغوص في ثناياها وتحليل أبعادها ومقاصدها، لكننا سنكتفي في هذا المقام بتناول أهمها. نستهلها بالفقرة التالية والتي تقول يحدث بالتأكيد أن تتعرض حركات احتجاج للقمع من طرف القوة العمومية، إلا أن مثل هذه التجاوزات تحدث في كل أنحاء العالم، بما في ذلك البلدان الراسخة في الديمقراطية. بيد أنها أحداث تبقي محدودة ومعزولة

الأكيد أن حركات الاحتجاج ليست استثناء علي دولة دون أخري، لكن طريقة التعاطي والتعامل معها هي المعيار الأصدق لمعرفة درجة ديمقراطية الأنظمة وانفتاحها. شخصياً لم يسبق أن بلغ إلي مسامعي أن إحدي الدول الأوروبية العريقة ديمقراطياً واجهت احتجاجاً أو اعتصاماً للعاطلين عن العمل بالعصي والهراوات أو أوقفت البعض منهم، كما لم يسبق لي أن سمعت أن أحدي هذه الدول منعت الدكاترة العاطلين من حق الاحتجاج أو الاعتصام أمام مبني ممثلي الشعب، لكن كل هذا غير مهم، ما يهمنا بالدرجة الأولي قولهم بيد أنها أحداث (في إشارة إلي قمع حركات الاحتجاج) تبقي محدودة ومعزولة ، وهو ما يحيلنا إلي احتمالين اثنين لا ثالث لهما، إما أن أصحاب هذا النداء يقيمون خارج المغرب ولا علم لهم بما يجري في الداخل، أم أنهم يغالطون الرأي العام المغربي ويصورون الأشياء كما يحلو لهم أو لمن يقفون خلفهم. شخصياً وبالرغم من إقامتي خارج حدود مغربنا الحبيب، لا يمر يوم واحد إلا وطالعت في بعض الصحف الوطنية أنباء عن مظاهرات احتجاج وعن كيفية تعاطي السلطات معها

ولا ينسي النداء أن يشيد بموقف الاتزان وضبط النفس، الذي طبع سلوك الدولة إزاء التجاوزات وأحيانا الاستفزازات التي تستهدفها ، وهنا نتساءل عن أي تجاوزات يتحدث النداء، وأي استفزازات يقصد؟ هل حرية التعبير والرأي أصبحت تدرج في خانة التجاوزات؟ وهل النقد الموضوعي لعمل الحكومة وطريقة إدارتها للعديد من الملفات بات باباً من أبواب الاستفزازات؟ وهل مطالبة الصحافة المستقلة بمعاملة المغاربة كمواطنين واعين وإطلاعهم علي حقيقة الأمور في البلاد، خاصة في الملفات الحساسة، غدا تجاوزاً واستفزازاً؟ويمضي النداء قائلاً أما الذين يتباهون منهم بممارسة السياسة، فعليهم أن يتذكروا أن السياسة الأجدي في عالم اليوم، هي تلك التي تراهن علي الوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي والحوار، وعلي الديمقراطية وتعبئة الجماهير الشعبية من أجل التنمية . وهنا نتساءل هل سعيُنا إلي الوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي والحوار يعني أن نقمع أو أن نُسكِت الأصوات التي تحدد مكامن الخلل في مسيرتنا وتعري نقاط ضعفنا؟ وهل من الديمقراطية أن نقصي جزءاً منا يذكرنا بواقعنا ومشاكلنا ويحصننا من الوقوع في أحلام اليقظة؟ هل من الديمقراطية أن نرفض الاختلاف وتعدد الآراء بحجة الوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي؟ أما تعبئة الجماهير الشعبية من أجل التنمية فهذا شعار نسمعه في الدعاية الرسمية الصينية لا في الدول الديمقراطية. ويضيف النداء أن المغرب الذي يمر اليوم بإحدي أخصب المراحل في تاريخه، ينخرط بكل قوة وثقة في دينامية التغيير. وتستند انطلاقة البناء وإعادة الهيكلة علي مستوي قطاعات بأكملها في المجتمع والاقتصاد، إلي عمق قوي يوفره تضافر جهود الإصلاحات المنطلقة، في إطار تعاقد بين الملكية والقوي الحية في البلاد ، لا شك أن إرادة الملك الشاب محمد السادس في تحديث المغرب وتأهيله ديمقراطياً قد أتت أكلها وترجمت علي أرض الواقع من خلال العديد من الخطوات والمشاريع الطموحة، هذا في الوقت الذي لاحظنا فيه غياباً واضحاً للأحزاب والجمعيات التي تدعي تمثيليتها للمجتمع المدني، بل وغياباً للحكومة نفسها التي باتت رهينة بتحركات القصر، وهو ما خلق نوعاً من عدم التوازن والخلل بين الأطراف المفترض أنها تشكل عنصراً في معادلة التغيير والإصلاح، لهذا السبب نتساءل هل هناك بالفعل تعاقد بين الملكية والقوي الحية في البلاد؟ وفي حال وجوده، من هي هذه القوي الحية؟ وما مدي تمثيليتها للمغاربة ومصالحهم؟ وما هي بنود هذا التعاقد، وهل هو نتيجة لإجماع شعبي؟ويتابع حرزني ورفاقه قائلين سنظل دائماً ضمن المدافعين عن الحريات العامة، وخاصة حرية الصحافة. لكننا لن نقبل بأية محاولة لإحباط الرأي العام ، من الرائع جداً أن نجد من يدافع عن حريتي الصحافة والتعبير لكن ميدانياً وليس شعاراتياً أو موسمياً، بيد أنني لم أفهم ما الذي يقصدونه بـ محاولة لإحباط الرأي العام . تري هل يدخل في خانة إحباط الرأي العام مثلاً إطلاع الرأي العام المغربي علي تداعيات اعتراف جنوب إفريقيا أو كينيا بجمهورية البوليزاريو الوهمية، أو كشف التفاصيل والأرقام الحقيقية للوضعية الاقتصادية المتردية أو نسبة البطالة، أو هروب (حريك باللهجة المحلية) بعض أعضاء البعثة الرياضية المغربية إلي مالقظظة؟ والأسئلة كثيرة ومتعددة. ويختم النداء قائلاً سنظل من بين أول المطالبين بتطبيق القانون، من غير إفراط ولا تفريط، كلما تعرض للخرق، ووقع تجاوزٌ وانتهاك للأخلاقيات، التي تستمد روحها من القانون وبه تتقوي ، بحسب علمي أن النصوص القانونية في المغرب ليست في حاجة إلي من يُنصِّب نفسه للدفاع عنها، لأن الدولة تمتلك أجهزة وآليات وأدوات لهذا الغرض، إلا إذا افترضنا أن مهندسي هذا النداء يرون عكس ذلك، أو أنهم خلصوا إلي أن الدولة أضحت عاجزة عن الوفاء بمهامها. وبما أن فئة الضالين التي يقصدها البيان هي فئة الصحافة المستقلة فندعو حرزني وجماعته إلي قراءة مواد قانون الصحافة في المغرب للإطلاع علي مدي قدرتها علي ردع أي تجاوز ، خاصة وأن بعض موادها اعتمدت في صياغتها علي تعابير ومصطلحات فضفاضة تحتمل أكثر من تفسير أو تأويل ويمكن تكييفها لأغراض تناقض مبدأ حرية التعبير، ونذكِّرهم في هذا السياق بالمتابعات القضائية التي سجلت أخيراً في حق العديد من الصحافيين، وكيف أن القضاء انحاز إلي التفسير الضيق للنصوص من أجل إدانة الصحافيين عوضاً عن مناصرة حرية الصحافة.وقبل أن نختم حديثنا عن هذا النداء، نتساءل ما الذي يرومه هذا النداء؟ وما الغرض من طرحه في ضوء المعطيات السالفة الذكر؟ صراحة كنا نتمني أن يدعو أحمد حرزني ورفاقه من خلال ندائهم هذا إلي فتح حوار وطني ونقاش سياسي هادف وجاد لبحث إشكاليات المرحلة الانتقالية التي يتحدث عنها، والتفكير في كيفية التصدي لفلول المعارضين للتحديث والدمقرطة ودفع الدولة إلي الانخراط بصدق والتزام في مسيرة التغيير والإصلاح، عوضاً أن يغرقنا في نقاش خاطئ يصنف المغاربة بحسب ولائهم للسلطة المخزنية، ويصور أن مستقبل المؤسسة الملكية في المغرب بات في خطر، وهو أمر خاطئ لأن اصطفاف العديد من الصحافيين والحقوقيين إلي جانب نادية ياسين لم يكن دفاعاً عن أفكارها الجمهورية وإنما دفاعاً عن مبدأ حرية الرأي والتعبير وانتقاداً للحملة الإعلامية التي تعرضت لها وذهبت إلي حد المس بكرامتها وبحقها في التعبير، أما مسألة الملكية في المغرب فهو أمر محسوم وليس هناك أدني شك في أن السواد الأعظم من المغاربة، بمن فيهم الحقوقيون والمثقفون، ملكيون أكثر من الملك، لذلك لم يكن من الصواب حصر النقاش في ثنائية من مع الملك والمؤسسة الملكية ومن ضدها؟ لأن النقاش كان يجب أن ينصب عمَّا يريد المغرب فعله بهامش الحرية الذي تحقق بفعل النضال؟ما الغرض إذن من نداء المواطنة هذا؟ من المؤكد أن هذا النداء لا يعدو كونه إشارة سياسية موجهة إلي من يعنيهم الأمر، وبصفة خاصة الصحافة المستقلة والجهات الحقوقية، مفادها أن العهد الجديد لا يعني تخطي أو تجاوز الحدود والخطوط الحمراء التي وضعها مهندسو العهد القديم ، ومن جهة أخري خطوة سابقة لتبرير واقع معين أو لتهيئ الأجواء العامة داخل البلاد لقرارات سياسية متوقعة أو لخطوات قانونية مرتقبة. ولن يحتاج قارئ هذا النداء إلي الكثير من الجهد للوقوف علي أنه خطوة إلي الوراء في طريق توسيع مجال الحريات، ذلك أنه يؤسس لفضاء يسوده الجمود والحصار، فضاء يرفض الاختلاف والتعددية ويؤجج لخطاب شوفييني قد يبرر التراجع عن مكتسبات حقوقية تحققت بفضل النضال. وفي الختام نتوجه بسؤالين إلي أحمد حرزني وأصدقائه لماذا رفضت العديد من الأسماء الحقوقية والجمعوية الوازنة والمناضلين التوقيع علي هذا النداء؟ لماذا لم نسمع إدانتكم الصريحة لقرار السلطات المغربية منع المفكر المغربي المهدي المنجرة للمرة السادسة من إلقاء محاضرة في مدينة تطوان، في الوقت الذي تُفتَح له المنابر في أرقي المؤسسات الأكاديمية الدولية لطرح أفكاره؟ أو ربما لأن المغاربة ليسوا في حاجة إلي معرفة شيء عن حقوق الإنسان والديمقراطية في المغرب لأنهم في حاجة إلي المهرجانات الغنائية لصرف مكبوتاتهم؟
عبد الرزاق بنان فلالي
كاتب من المغرب يقيم في قطر
banane_filali@hotmail.com